ثقافي أدبي مستقل

المجد لمراقد الخالدين

- الإعلانات -

روماف – مقالات 

تكاليف البقاء الأبديِّ باهظٌ ، و ثمن الخلود جسيمٌ جداً ، بلوغ منزلة القدوة و الحذو أعظم نجاحٍ ينجزه رواد الفكر ، و هم تحت أطباق الأرض راقدون .
لأن النيل من الأجساد وحده من صلاحيات الموت ، أما الأفكار فلا طاقة للموت في هزيمتها و وأد الإبداع .
فرائد القلم الحر لا يرحل ، و ثري الفكر حضوره دائمٌ لا يغيب ، و إرث العقل المنتج و المترف بانبلاج البراعة و الابتكار لا يمكن طمسه .

و حامل راية الفكر المستنير كلما حاصرته ، ازداد اندفاعاً ، و كلما ضاق الخناق على عزيمته ، تدفقت منها روح التحدي و التعنت ، فلا قوة تستطيع ثني همته ، أو لي ذراعه .
بل ينكب على أداء رسالته بكل صرامةٍ و بلا حدودٍ .

أقلام رواد الفكر أشد فاعليةً من فوهات بنادق الجبابرة و مفعول فتاوى المهرطقين .
فإذا كانت الأجساد إلى زوالٍ ، فإن الأفكار لا تفنى بموت أجسامها ، مهما توهم الطغاة ، و حاول الظلاميون تشويه سمعة العقول اللامعة التي تهدد وجودهم ، أو إبادة روادها .
بل تظل حيةً متسللةً إلى أذهان الأجيال متداولةً ، فتزداد مصداقيةً ، و تغدو على الفناء عصيةً ، كونها تحمل جمرة الحذاقة و الابتكار التي تمرغ كبرياء المستبدين و أنوف الملتحين في الوحل ، و ترهق سلاحهم .

نعم العقول النيرة متدفقةٌ بحب الحياة ، تفيض بالحرية و العدل ، و تظل شاهقةً ثائرةً لاستقامة الفكر المنحرف ، و تصحيح الذهن المتسلط ، لإحياء الذات المنصاعة و إصلاح الوجدان التائه .

أقرأ أيضاً
1 من 175

- Advertisement -

و الفكر الرائد يبقى صارماً دون أن يفلح أحدٌ في انزلاقه مهما تطاول عليه ، و لا أن يجره لتغيير مساره . بل يمضي شامخاً سامقاً لا يلوي على إغراءٍ ، أو يقف على مكسبٍ ، أو ينتظر مكافأةً مذلةً .
إنه القلم الحر الذي لا يعرف تجار الدين هزيمته ، و لا بمقدور الحكام الفاسدين انكساره .
بل يمسي مداوماً بتسطير الأفكار الخالدة في مواجهة العقائد المروجة للخرافة و الجهل المقدس و عجرفة الطغيان . كما المنابر الإعلامية التي تشجع تعطيل العقل ، و نبذ الأقلام المأجورة التي تساهم في عملية بطلان التفكير .

حينما يضيع القلم فحوى جوهره ، ينحرف من مساره ، ليصبح أداةً زهيدةً ، تعرض في أسواق البيع و الشراء .
كثيرةٌ هي هذه الأقلام التي باتت جزءاً من العسف و الترويع ، لمساندة الأفكار الرجعية بضجيجها المستفزة ، من عقولٍ تضج بالكراهية و الأفكار الظلامية ، صانعة عبيد الأنظمة الفاشية و ترسيخ نفوذ تجار الدين .

يا لهول تلك الأقلام التي باعت نفسها بثمنٍ بخسٍ ، معتقدةً أن دورها مقتصرٌ في تكديس المال و جمع الثروة ، أو اعتلاء منصبٍ زائلٍ ، و أنها وجدت لزخرفة الفكر الظلاميِّ ، و تلميع صورة الفاسد المستبد .

و العناد لا يبدو صائباً في كل المواضع ، لكنه في مواجهة الطغيان و الاستبداد سديدٌ ، لكسر شوكة الجائر الباغي ، و نتف لحية المخادع ، و التفوق على أقزامٍ جعلوا من أنفسهم موطئ أقدام الطغاة و الفاسدين .

في ردها على سؤالٍ للدكتورة الخالدة نوال السعداوي لماذا قالوا عنكِ : أنت امرأةٌ متوحشةٌ خطيرةٌ .؟
تجيب قائلةً : “ أنا أقول الحقيقة ، و الحقيقة متوحشةٌ خطيرةٌ بالنسبة لهم “

يا لعقم تلك الأفكار اليائسة التي تحاول جعل الحقيقة شرسةً خشنةً .
و تباً للأقلام المهزومة التي تسعى بائسةً لتبرهن على صحة أقوالٍ زائفةٍ ، تحرف الواقع بهدف قلب الصواب باطلاً محفوفاً بالمخاطر .
أسلحة الدين و السياسة توحدت في وجه كلماتها الصريحة ، و اندمجت لكسر قلمها المثابر المفعم بالنشاط حتى أواخر أيامها و هي في العقد التاسع من العمر .
شجاعةٌ نادرةٌ تحلت بها ، و عنادٌ قل نظيره كان يجري في عروقها ، بفضلهما أُجهضت ثنائية القوة الهائلة ، و تفوقت على الأقلام الرخيصة .
و كان الخلود من نصيبها ، و الهزيمة و العار من حصة أعداء الحرية و خصوم الحب و الحياة .

اترك تعليقا

- Advertisement -