ثقافي أدبي مستقل

جمهورية الكلب للروائي إبراهيم اليوسف

0 66

- الإعلانات -

جان كورد 
لن أتعمق في هذا السرد المصحوب بالكثير من “العنفوان الأدبي” فقد كتب عنه نقاد كورد وعرب، ومنهم إبراهيم محمود،  الناقد بل والفيلسوف الذي تعمّق في بحور الروائي وعوالمه الدفينة في أعماقها، والكاتب محمود أبو حامد، إلاّ أنني سآخذكم معي في جولة قصيرة عبر التاريخ عن “الكلب في الدين والأدب” حتى نفهم حقيقة ما يسعى الروائي القدير جذبنا إليه، فهو لا يريد إظهار العلاقة بين الإنسان وهذا الحيوان الشهير بوفائه في مجتمعين مختلفين من حيث النظرة العامة للكلب فحسب، بل يبدي لنا العديد من مظاهر الحياة الإنسانية في الخيمة الاجتماعية التي تعصف بها رياح النزوح والهجرة والتشرّد من عالم ذي أبعاد وأطر عقيدية وفكرية معينة إلى  عالمٍ واسع من المرافىء والموانىء الاجتماعية الجديدة التي نزل فيها الروائي الغريب عن كل ما حوله من صور منها غير مفهومة مطلقاً كما كان يظن وسعى في روايته الجمع بين العالمين في قبضته ونثر جواهر أفكاره وتصوراته وما اكتسبه من معارف في حياته المترنحة بين العالمين للقارىء الذي ربما يتيه أحياناً ولا يدري كيف ولماذا يتابع القراءة، 

ولكن أسلوب الروائي وقدراته الكتابية ومعرفته اللغوية العميقة وتجربته الشخصية الطويلة في دنيا الأدب والاجتماع يرغم القارىء على ركوب الموجات التي تتلاطم فوق بحر الرواية ولا يستطيع الهروب منها وكأنه مقيّد بسلاسل متينة تمتد إلى أعماق الرواية.

كان الكلب عامةً والأسود منه ذا أهميةٍ بالغة في التراث الديني للعديد من الشعوب والأمم، فنراه في الأدب والدين لدى الصينيين تحت اسم (تيانغو)، حيث يرافق الأبطال الشجعان ويحرسهم ويرافقهم في النزوح من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، دون أن يفقد قدسيته وأهميته. وتشبه صورة الكلب في الأدب والتراث الديني لليابانيين الذي أصولهم كورية ذات الصورة التي عليها الكلب في الميتالوجيا الصينية. 

 Tiango

أما في الميثولوجيا المصرية الفرعونية فإننا نجد الكلب (آنوبيس) الذي كان القبطيون يسمونه ب (آنوب) وكذلك سماه الفراعنة بإتسي (Etsî)، فإنّ وظيفته هي مراقبة تحنيط الأشراف والملوك ومرافقة جثامينهم لدى الانتقال من عالم الأحياء إلى عالم الأموات والتأكّد من أنّ كل شيءٍ قد تم حسب المراسيم الدينية الصارمة وممارسة الرقابة على عملية وزن قلوبهم لمعرفة ما كسبوه من خير وشر… إنها وظيفة مهمة يجب التقيّد بتنفيذها على أكمل وجه في حياة البشر لدى موتهم، إلاّ أنها أهم بكثير في الحياة الأبدية بعد الموت، ولذا يعتبر الكلب مقدساً لدى المصريين القدماء.

Anubis

أما في الميثولوجيا الاغريقية، فإن الكلب ذا الرؤوس العديدة زيربيروس (منه برأسين أو  ثلاثة أو حتى مائة رأس) وينتهي ذيله برأس أفعى، هو الذي يحرس البوابة بين الحياة والموت، فلا يمر أحدٌ من البشر كما لا يخرج أحدٌ من عالم الموتى دون الاستئذان منه، فسلطته على حراسة البوابة أبدية ومطلقة لا غبار عليها، وقد كتب العديد من الرواة والكتّاب اليونان القدامى ومن ثم الرومان عن هذا الكلب الذي يسمى “كيربيروس” أيضاً، أو جعلوا له مكاناً مرموقاً في آثارهم الأدبية العريقة.

Zerberus 
ونجد للكلب “الأسود” مكانةً مهمة في الميثولوجيا الإنجليزية التي معظم أصولها من الأساطير الكلتية والجرمانية والفاليسية، حيث نجد في الأساطير الفاليسية تسمية الكلب الأسود “Cŵn Annwn”ولكن دون مثل القدسية التي نراها لدى الصينيين واليابانيين والمصريين واليونان، إلا أنه أضخم من الكلاب العادية بكثير وذو عينين ثاقبتي النظرات،مضيئتين، وقوائم عالية متينة وقوة عظيمة ورأس كبير له مهمة مراقبة الانتقال من عالم الحياة إلى عالم الموت أيضاً ، كما أن رؤيته أو لقاءه يعني اقتراب سوءٍ ما أو خسارةٍ عظيمة ولربما اقتراب الموت، فيتفادى الناس المرور بالكلب الأسود الذي يدعى (تيشكو) أيضاً وهناك في الميثولوجيا الفاليسية الكلب الذي يدعى (درودوين) إلا أنه ذو أذنين حمراوين وأسفل بطن أبيض، بل لا يختلف اسم وعمل كلبهم عما لدى المصريين القدامى من حيث مراقبة العالم السفلي ونجد (آنويين) قريباً جداً من (أنوبيس)… وتعتبر رواية “كلب باسكيرفيلد” الإنجليزية (1902 -1901) لآرثر كونان دويلى من الروايات العالمية الشهيرة.  

أقرأ أيضاً
1 من 175

- Advertisement -

Der Hund von Baskerville, Roman von Arthur Conan Doyle (1901/1902) 

ونجد في الميثولوجيا الكلتية والجرمانية القديمة اسم الكلب الأسود الذي يدعونه (غارم – Garm)،  وهو  كلبٌ باسط ذراعية في بوابات العالم السفلي يهاجم كل من يقترب من ذلك العالم، ويأخذ أوامره من الإلهة (هايل أو هيل – Hill) حيث الاسم هو للجحيم في الانجليزية، ويلتقي الإله الأكبر أودين للشعوب الشمالية بهذا الكلب القوي الشرس في غزوة له على مقربةٍ من بوابةٍ للعالم السفلي. ويبدو أن القصص عن (غارم) متأثرة جداً بالأدب الأسطوري الاغريقي…

Hill

كما نجد الكلب الأسود ذا مكانة مرموقة لدى رجال الدين في مجتمعاتنا العريقة في القدم، لدرجة أن قذارته المجففة توزّع على الأتباع كنوعٍ من المواد التي فيها بركة، فتستخدم كعلاج أو يتم تناول أجزاءٍ صغيرة منها لأنها “مباركة!” 

أقرأ أيضاً : لاجئ سياسي

هذه الصورة عن الكلب الخيالي الذي يحرس العوالم الدنيا أو يجلب الموت ويعاقب المقتربين من بوابات العالم السفلي غير موجودة في الأديان السماوية الكبرى (اليهودية والمسيحية والإسلام)، بل على العكس من هيبة الكلب المعهودة، فإنه منبوذ، محتقر ومهان، ولا يسمح له العيش مع صاحبه في البيت ذاته، بل في أحسن الأحوال يبنى له كوخ صغير يأوي إليه في الليل، وقد يسمح لكلب الصيد السلوقي بدخول المسكن، وبخاصة في الشتاء، فوظيفة الكلب تصل أحياناً إلى التضحية بالنفس في التصدي لجده القديم (الذئب) من أجل إنقاذ شاةٍ أو عنزة.

وهذا الأصل الذئبي أحد أسباب كره البشر له.  فلدى ذم إنسانٍ لآخر يقول له. أنت كلب… ويطلق (الكلب) على الدنيء والخائن والغادر رغم الاعتراف بوفائه وذكائه وحمايته للقطيع وللبيوت.

وفي اليهودية تشبيهات مختلفة عن هذه الحالات التي فيها إزدراء لهذا الحيوان، وفي الإسلام نجد الكلب في سورة أهل الكهف باسطاً ذراعيه بالوصيد يعاني ذات المعاناة التي يتعرّض لها أصحابه الذين معه في الكهف، ولكن من دون قدحٍ أو مدح… ومنظره في ذلك الوضع يذكرنا بالكلب الفرعوني أنوبيس الذي له ذات القعدة. 

في الحديث النبوي الشريف، نجد وصفاً فيه ذم واحتقار للكلب كما في الكتاب المقدّس، فالكلب الأسود في (صحيح مسلم) هو “الشيطان” بذاته… وحيث أن الكلب دنس ونجس، لذا فإن لعابه إذا لامس جسد أو لباس الإنسان فيجب غسله سبع مراتٍ بالماء ومرةّ أخرى مسحه بالتراب (أي التعقيم التام)، إلا كلب الصيد والحراسة، حسبما فهمت من الحديث الصحيح لمسلم. 

 ومن هذا كله نعلم لماذا موقع الكلب في المجتمع الذي تربى ونشأ فيه راوي (جمهورية الكلب) كما تربى فيه أبوه المتدين يختلف عن موقع الحيوان ذاته في المجتمع الجديد الذي ارتمى في حضنه وهو لا يدري أنه سيبتلعه وسيقضي في جوفه على كل أشكال المحظورات والممنوعات التي ورثها من أبيه وتشرّبها من متحده الاجتماعي السابق وسيضع له إحداثيات اجتماعية وسبلاً جديدة للتعامل مع كل ما هو خارج مدينته الفاضلة من عادات وبشرٍ وحيوانات فجاءت هذه الرواية التي تصل بك إلى حافة الشك والغموض والتنكّر وتحشرك في قوالب زجاجية لتنقلك عبرها إلى فضاءٍ اجتماعي وخلقي وثقافي جديد وكأنه واقع أزلي كان غائباً خلف الجبال والبحار التي أتى الروائي من خلفها باحثاً عن موطىء قدمٍ له تحت الشمس مثل كل البشر الذين نسميهم ب”المتحضرين” والذين يلتقي بهم الروائي في فضائه الجديد بعد الهجرة…لا يسعني إلاّ أن أقول: إنها رواية ممتعة وثرية، جديرة بالقراءة… وحبذا لو كتبها باللغة الكوردية أيضاً، لأننا نحن الكورد بحاجة إلى هكذا روايات رائعة حقاً… وأعتقد أن النقاد الذين تطرقوا إلى لآلى الرواية من قبل أن أدوّن هذا المقال المقتضب حملوا عني مشقة التمعّن و التعمّق فيها، ولكن وجدت أن الكتابة عن دور الكلب في التاريخ قبل ظهور “جمهورية الكلب” ربما سيفيد القارىء والناقد بعض الشيء في فهم العلاقة بين الروائي والكلب في المحطتين اللتين عاش فيهما وكتب عنهما بإمعان ورغبة.تشكرون أخي إبراهيم على هذا العمل.

31/1/2021

اترك تعليقا

- Advertisement -