ثقافي أدبي مستقل

حارس الريح

0 192

- الإعلانات -

روماف – ثقافة

جوان زكي سلو

كان هشّ الذباب في قيظ تلك الظهيرة، أشد وطأة من الملل ذاته، بل أنه قاتلٌ بقدر الوقت الذي حاول مراراً أن يحتسبه بدقائقه وثوانيه، ولكن دون جدوى، في حين أن ساعة يده السوداء الصغيرة، كانت تئنُّ تحت ثقل عقاربها الفضية، مصدرة نغمة متواترة رتيبة (تك.. تك.. تك..)، راح معها يحرك إحدى يديه، تماشياً مع تتابع لحنها، ليهشّ بها الذباب الحائم حول رأسه قليلاً، كان يتحيّن الفرصة، أو جزءاً منها، كي يقتنص أي شيء يتحرك هناك، لم يأبه لحرارة تموز أو شمسها التي تزأر بعنجهية مبالغة، تغرز أشعتها الشقراء في جلده المكشوف، وحدها ستارة ما، أو ما تشبه الشبكة المموّهة، تظلّله ببعض ظلالها، رغم تسرّب أشعة الشمس عبر ثقوبها المهترئة.

في مكان ما أعلى إحدى الأبنية المتهالكة، أعاد هَڨال من تنظيم أعضائه المنتشرة على الأرض، ومدّ ساقيه المتشنجتين، وطقطقَ ظهره، بأن رفع رأسه قليلاً عن مستوى الأرض، صانعاً فرجة أكبر من امتداد قدميه، علّه يفسح مجالاً أكبر لجسده، بأخذ استراحة قصيرة.

مسح العرق المتراكم عن عينيه، وعلى حاجبيه، بطرف قميصه الذي ما لبثت أن جفّ لحظة مروره على جبينه المتعرّق بحباتٍ سائلة بطعم الملح والطين، مسّد فخذه الأيسر الأسمر بيده المتربة، بعد أن غزتْهُ لحظتها حكّةٌ مُستفزّة، وبحركة لا تخلو من التمرّد على الوقت، قام بطقطقة أصابع يديه، مصدراً لحناً متكرراً بلا معنى، بعدها أعاد سبابة كفه اليمنى إلى موضعها السابق على الزناد، مرفرفاً بجفنيه قليلاً كي يزيل النعاس عنهما، وأعاد عينه اليمنى إلى عدسة القنّاص في بندقيته، وهو يتلو أغنية، كأنها تراتيل الصلاة.

لقد كانت الفجوة التي أحدثها في السور الوطيء فوق البناء، لا تكفي إلا لمرور فوهة بندقيته، رغم ذلك بقي راضياً عن هذه الفرجة الصغيرة، لأنه قد رأى فيها خلاصه، أو لربما ظنّ بأن هذه الكوّة جزء من استشراف مستقبله الذي طالما حلم به.

استبدّتْ به الوحدة، حتى تعاظمت، وتعاظم معها قلقه الذي بات يلازمه كثيراً في الآونة الأخيرة، أهو السكون ما قبل العاصفة؟ أم أنّ لعاصفة الأحداث رأيٌ آخر؟ هنا أسند ظهره للحائط، بعد أن استقام في جلسته، وارتشفَ بعضاً من الماء الراكد في قارورة زجاجية، أحضرها له أحد رفاقه، كانت ملفوفة بقماش مبلل، كي تحافظ على برودتها، وبلّل بقطراتها الباردة عينيه السوداويتين ووجهه الأسمر، أطلقَ بعدها عدة طلقات في فراغ اللامكان، كسراً لحاجز القلق، وتحذيراً منه لمن تسوّل له نفسه من الجماعات المسلحة بأن يستغل السكون، ويزرع النار والموت في كل شيء، انتظر آملاً أن يُردّ عليه بأية رصاصة.

 وكأنّ السكون في جبهة القتال قد استبدّ بالمكان، وأن المتسلقين على أكتاف الدين، لم يعد لهم بالإمكان أن يقاتلوا من جديد، فقد انكسرت شوكتهم في عدة مواقع ابتداءً من كوباني وانتهاءً بالرقة، عاصمة خلافتهم المشوهة، ودير الزور التي حوتْ عائلاتهم، جاعلين من سباياهم الكورد الإيزيديين دروعاً بشرية تحميهم، لربما تطيل هذه الدروع البشرية من أعمارهم الفانية في سبيل جنتهم المزعومة.

أقرأ أيضاً
1 من 175

- Advertisement -

كان هَڨال قد استقر ببندقيته أعلى إحدى الأبنية المدمرة، أو ما تبقّى منها، أعمدة هذا البناء كانت عارية إلا من كسائها الاسمنتي، فباتت ترتجف من أية عاصفة أو تفجير، وكأنها تعيش الشتاء مرة أخرى، جدرانه الهاوية تحولت إلى ركام رمادية من ذكريات ساكنيه، سمعَ من جهاز اللاسلكي أمراً من رفاقه بأن يستطلع الشارع من الأعلى، تحسّبا لأي طارئ، فقد يكون أحد من عناصر داعش مختبئاً في ركن ما، وبعد أن جال بنظره في أرجاء الخلاء، لم يجد سوى الهباب، وستارة سوداء كبيرة، تقسّم الشارع لنصفين.

 توجّس شرّاً منها، لذلك أراد أن يأمن على رفاقه وعلى نفسه، من غدر رصاصة قد تأتيهم بغتة، فتنال من أرواحهم قبل أجسادهم، أوعز إلى رفيق له كان بذراع واحدة أن يطلق صوب الستارة عدة طلقات مفردة، وما إن سكن الهواء عن هبوبه بلحظات، حتى باغتته من بعيد صليات نارية متعددة، وكأنها وجدت ضالتها فيه، ليردّ بدوره عليها، هو و من كان على في ذلك المكان، نحو مصدر النيران، لمحَ في وهج النيران رأس قذيفة (آر بي جي) مستعدة لتتجه صوبه، وفي اللحظة ذاتها أطلق رصاصته صوب مُطلق الصاروخ الداعشي، بينما قذيفته الصاروخية سارتْ نحوه، بذيل ناري وأزيز يدوي في السماء، وتصفر في الهواء بصفير الموت القاتم.

سمع كل من كان هناك صرخة هَڨال في وجه رفاقه، لحظة التصادم والانفجار، وقد امتزجت مع دوي التفجير، وتصاعدت الأدخنة مع الركام المتشظّي في السماء، وهوى جزء من السطح بمن عليه على الأرض، حتى رصاصته تلك التي خرجت من بندقيته في اللحظة ذاتها، سمعتْ صرخته، وعرفتْ ما حصل، عقدتْ حاجبيها وزفرتْ، وحين مرّتْ بمحاذاة الصاروخ، تمنّتْ لو أنّها امتلكت الإرادة، لغيرّتْ من مسارها واصطدمت بالصاروخ، إلا أنها تعلم جيداً، بأن قدرها بيد مُطلقها، غضبتْ، زمجرتْ، اضطربت، رجتْ القدر ألا يصيب الصاروخ أحداً بأذى، لكن القدر لم يأبه لها، مرّ الصاروخ بقربها، واصطدمَ عنوة بأحد أعمدة البناء العارية، لينفجر.

أيادٍ كثيرة مُدّتْ من خلف ستارة النجدة، انتشلت ممزقي الأوصال، وحملتهم إلى سيارات الإسعاف التي تحولت إلى عربات نقل الموتى، كتوابيت جاهزة تسير على عجلات، وكان هَڨال بلا قدمين، حين انتشلوا جسده المبتور.

بقيت قدماه تحت الحُطام، تنتظر أن تعود له، لكنها وبعد طول انتظار، قررت أن تبقى لتحرس هناك، ومنذ ذلك الحين، وفي كل مساء، يُسمع صدى خطوات مجهولة، تخرج تحت جنح الظلام، تسير في الأرجاء، بدبيب خفيف يتخطى كل شيء، فهناك المزيد من الأشلاء تريد أن تعود لأصحابها.

نقلا عن موقع سبا الثقافي 

اترك تعليقا

- Advertisement -