ثقافي أدبي مستقل

كل بيت سوري كان ثكنة عسكرية

0 50

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

ماهر راعي

شاعر من سوريا، في رصيده ديوانين شعريين؛ “مرمية هكذا

في الهواء” عن دار أرواد 2014، ” مغطس بالشوكولا” عن دار نينوى بدعم من الصندوق 

العربي للثقافة والفنون 2019،

 

 

 

 

إحدى صدماتي الكبرى، والمتأخّرة نوعاً ما، كانت عندما رأيت بأم عيني أحد الأولاد يلعب البلياردو، بينما كان الخصم والده.

هذا المشهد صادفته في أحد المنتجعات البحرية، كنت وقتها من بين عمّاله الموسميين. كانا يتحديان بعضهما بطريقة حلوة، فثمة ضربات لا يقوى الصغير على تنفيذها ليقوم الأب بمساعدته، تماماً مثلما تمسك الأم يد صغيرها في واجبه المدرسي الأول، عندما تظهر له معجزة كتابة الهمزة في حرف الألف.

تابعت مشهد الأب والابن حتى النهاية، حيث فاز الصغير بفارق كرة واحدة وبضربة كانت من تنفيذ الأب. استندت إلى طاولة قريبة أراقب مشيتهما حين غادرا المكان، تاركين ضحكات لذيذة وملونة لازالت تقفز مع الكرات على طاولة اللعب.

دمعت عيناي! لم يكن هناك وقت لأتأمل الموقف بدقة أكبر وأجيب نفسي لماذا بكيت؟! كان عليّ أن أسرع لإيصال الطلب إلى طاولة زبون ملحّ وكريه… كنا نكره الزبائن، حتى اللطفاء منهم، لأمر لا يفهمه أحد.

ثمة استراحات مسروقة يمكنك فيها أن تمرّر الوقت بطريقتك، لك مثلاً أن تقضم بعض الحلويات المرتجعة من صحون زبائن غادروا للتو، يدهشك أنهم لم يلمسوا حلوياتهم الشهية، تلك التي دفعوا ثمنها رقماً يكاد يساوي نصف مرتّبك تماماً. تراقب زبونة حلوة تضحك مع حبيبها، ربما حبيبها، أو تراقب بدقة، مثل قنّاص متمرّس، متى ستنحسر بلوزتها قليلاً كلما تحركت مع الضحكة، لينكشف جزء أوسع من نهديها العارمين، أنت في زاوية معتمة تحبس أنفاسك بينما هي وحبيبها في الضوء والصخب والفرح يضحكان. في تلك الاستراحة المسروقة، ليلة لعبة البلياردو وفوز الصغير على والده المبتسم، كانت صدمتي كبيرة، فالآباء وبكل طبيعية يشاركون أطفالهم ألعاباً محرّمة!

 كانت الحياة ثلاث كلمات فقط: أكل، نوم ودراسة. ليس في قاموس الأهل كلمة ترفيه، سوى حضور ساعة كانت مخصصة لأفلام الكرتون عند الظهيرة، زيارة الأقارب في القرية يوم العطلة ومن ثمّ زيارة أضرحة الأولياء الصالحين التي تعشقهم أمي

تذكرت كيف كنا ندخل ونخرج من صالة البلياردو المعتمة، في قبو رطب ونتن في حيّنا، عندما كنا في المرحلة الابتدائية في الثمانينيات من سوريا، الضيّقة على كل شيء، كان الأمر أشبه بالتسلّل إلى وكر عصابة، أو الدخول إلى بيت دعارة. كنا نعود إلى بيوتنا ملوثين بالذنب والخطيئة، لكننا فرحون بانتصار وحيد، لا يخص المنافسة على الكرة السوداء في ضربة مدهشة، حيث تتدحرج نحو حفرتها الأخيرة لتحسم الفوز… كان انتصارنا الوحيد الذي نعوّل عليه ببساطة: ألا يلمحنا أحد من الأهل أو الجيران بينما نخرج من وكر المتعة والرذيلة.

سرقتُ قلم ديمة، زميلتي في الصف السادس. يومها أعطاني أبي ثمن قلم جديد أظن أنه يكفي ليكون أجر وقت أطول في الصالة، في اليوم التالي سُرق القلم من حقيبتي، لا أحد في الكون يستطيع اكتشاف السارق لكنك تستطيع التخمين، إنه شخص يشبهك تماماً، اليوم في الصالة سيُغدق على رفاقه، ويدعوهم ليلعبوا “game” إضافي على غير العادة.

 كانت الحياة ثلاث كلمات فقط: أكل، نوم ودراسة. ليس في قاموس الأهل كلمة ترفيه، سوى حضور ساعة كانت مخصصة لأفلام الكرتون عند الظهيرة، زيارة الأقارب في القرية يوم العطلة ومن ثمّ زيارة أضرحة الأولياء الصالحين التي تعشقهم أمي، أولئك الذين، ولفترة طويلة، كنت أعتقد أنهم أعلى شأناً ومقدرة من الله نفسه.

لماذا لم يلعب أبي مع أولاده؟ فلنفترض جدلاً أنه يعتبر أن أية لعبة تحتاج المال هي مضيعة للوقت والمال معاً، وهي مجرد عملية نصب يقوم بها صاحب الصالة على أولاد الحي، ماذا عن باقي الألعاب المجانية، الألعاب المنزلية البسيطة؟!

أقرأ أيضاً
1 من 175

- Advertisement -

- Advertisement -

- Advertisement -

مقالات ذات صلة

 

لماذا لم يكن الآباء في حيّنا يلعبون مع أولادهم، هل كان العمل يرهقهم إلى هذا الحد؟ هل كان الفقر يجعلهم في أوقات فراغهم مجرد آلات مطفأة أو معطلة، ساهمين في دخان سجائرهم وفي خبز اليوم التالي؟ هل كانت ثقافة التربية آنذاك تمنعهم من مشاركة أولادهم اللعب، خوف كسر الحواجز وحفر الأولاد لصخرة الأبوة القاسية، تلك الصلابة التي كانوا يفترضون أنها كفيلة بصنع رجال المستقبل الصعب؟

نعم في تلك الأوقات المعتمة من سوريا الضيّقة على كل شيء، علّمتهم الأحزاب النضالية بأنواعها، ذات الرايات التي لا تخلو من لون الدم، والشعارات التي تحمل قبضات مضمومة وغاضبة وسلاسل مخلوعة، الأحزاب الطامحة إلى مشهد الانقلاب الدائم، استلام زمام السلطة ومسك ميكروفون إذاعة البلد من أجل البيان الأول، علمتهم أن لا شيء يأتي بسهولة، بل كل شيء يحتاج إلى قوة (شكيمة) – كانت تعجبهم هذه المفردة- والنضال الذي لا يرتاح أبداً، وأن الخشونة تحتاج إلى تربية وبناء وصناعة ولا يمكن الاستغناء عنها. علمتهم الأحزاب النضالية كل هذا، رغم أنهم يوماً لم يكونوا إلا ورقها المحروق. لم يكن المجتمع السوري حين كنا صغاراً إلا ثكنة ممتدة كبرنا فيها. كل بيت كان ثكنة، كل أب كان عسكرياً، وإن كان نجاراً أو سماناً أو يعمل في أي مهنة كانت، حتى ثياب النوم كانت موحّدة، بأحجام مختلفة.

علمتهم الأحزاب النضالية والعسكرة أن الترفيه يجب اجتثاثه، ولا مكان هنا إلا للجدية والصرامة والنضال، وأن الألوان موجة إمبريالية مفسدة للروح الوطنية، وأن الكاكي، أو القاتم بالعموم، هو سيد الألوان

علمتهم الأحزاب النضالية والعسكرة أن الترفيه يجب اجتثاثه، ولا مكان هنا إلا للجدية والصرامة والنضال، وأن الألوان موجة إمبريالية مفسدة للروح الوطنية، وأن الكاكي، أو القاتم بالعموم، هو سيد الألوان. 

انقلب رفيقي في العمل على ظهره من الضحك وظنني مخبولاً، حين رددت بكل جدية: “كنت بالمدرسة”، على سؤاله: “وين كنت من شي نص ساعة، عم يسأل عنك الميتر وفي ألف زبون بالصالة؟”.

لم يكن من السهل أن أشرح له أنني حين رددت عليه بجملة “كنت بالمدرسة” بينما أرتجف، أنني حينها كنت ساهياً، أجيب أبي على سؤاله الذي كرّره ألف مرة في جلسة تحقيق قديمة وطويلة، عقب معرفته مصادفة من عصفور قذر وواشٍ، أنني كنت في صالة البلياردو.

المصدر : رصيف 22

أقرأ أيضاً

  • إبادة “الأكراد” مستمرة
    روماف – رأي  جان كورد  منذ توقيع معاهدة لوزان في عام 1923 وجريمة الإبادة بحق الشعب الكوردي مستمرّة، وقد استخدمتُ لفظ “الأكراد” لأن أعداء شعبنا في أغلبهم، بل والمثقفون منهم – مع الأسف – لا يستطيعون قبول فكرة أن الكورد “أمة”، فالأمم لها حقوق منصوصٌ عليها في الشرع السماوي وفي القانون الدولي… وهذه الإبادة الفعلية مستمرّة بأشكالٍ وصورٍ مختلفة ومتطوّرة عبر عقودٍ طويلةٍ من الزمن. ولا يظنن أحدٌ بأن من الصعب إبادةٍ قومٍ من الأقوام، فإن شعوب الهنود الحمر، أصحاب الأرض الأمريكية الأصليين، من كندا إلى جنوب أمريكا، كانوا أكثر سكاناً من العديد من الأقوام والشعوب في العالم، فكاد المستعمرون البيض أن يقضوا عليهم خلال أقل من قرنٍ من الزمن. واليهود احتاجوا لقرونٍ عديدة حتى تمكّنوا من عيش جزءٍ منهم على “أرض الميعاد” التي يدافعون عنها بكل ما لديهم من قوى وطاقات، إلاّ أنهم يعيشون دائماً في خوفٍ من أن تتساقط عليهم القذائف والصواريخ من كل حدبٍ وصوب… والكورد ليسوا أكثر عدداً من الهنود الحمر وأوسع بلاداً منهم أو أشد قوةً وبأساً من اليهود. فكيف كانت سياسة إبادة الهنود الحمر؟ لقد تمّ التضييق على مناطق تواجدهم الفسيحة عن طريق القوات المسلّحة الأمريكية التي استخدمت ضد السكان الأصليين سائر أشكال العنف والقسوة، من تقتيلٍ وتهجيرٍ وتعذيبٍ وحرق المنازل واغتصاب الحرائر وإرغام السكان على الانتقال للعيش الذليل في معسكرات ومستوطنات لا تختلف عن السجون في شيء، ثم بدأ العمل على تغيير ثقافتهم ولغاتهم العديدة وإجبارهم حتى على ارتداء الثياب التي يرتديها المستوطنون البيض، وتعليمهم اللغة الانجليزية في الوقت الذي منعوا الاطفال من التحدّث بلغاتهم القومية، كما لعبت الكنيسة دوراً  كبيراً في تغيير الأديان والعقائد التي يؤمن بها الهنود الحمر بنشر المسيحية بينهم على نطاقٍ واسع، ومنعهم من إقامة احتفالاتهم الدينية التي كانوا يمارسونها منذ أن ظهروا على وجه الأرض كشعوب وقبائل. وهكذا أصبح أصحاب الأرض الأصليين أقلياتٍ ضعيفة في حين أصبح المستوطنون البيض هم الأغلبية وأصحاب الأرض، بل إن البيض نشروا عبر إعلامهم القوي، ولا زالوا ينشرون حتى اليوم بأن المعتدين والظالمين والقتلة المجرمين هم الهنود الحمر في حين أن المستضعفين في الأرض هم المستوطنون الذين جاؤوا إلى القارة الأمريكية من شتى أنحاء العالم المسكون. فبماذا يختلف وضع الأمة الكوردية المغدورة عن وضع تلك الأقوام التي وجدت نفسها في ظلمٍ وعبودية وانكارٍ لكل ما لها من حقوق إنسانية وقومية؟ فلقد مارس أعداء الكورد كل سياسات البطش والتنكيل والتهجير والتجهيل والتعذيب والحرق ومنع استخدام اللغة الكوردية في نيل العلم، حتى أن بعض ضباط الجيوش المحتلة لكوردستان أرغموا سكان قريةٍ كوردية على تناول القذارة البشرية وهم يضحكون ويهددون بممارسةٍ أبشع، فهل ثمة ما هو أبشع من تلك الإهانة للجنس البشري؟ تمثلّت سياسة الإبادة العنصرية أو لنقل القومية بقتل مئات الألوف من بني الكورد المدنيين، بزج جماعاتٍ منهم في الكهوف وحرقهم فيها وهم أحيا، أو بوضعهم في أكياس مثقلة بالحجارة ورميهم في بحيرة وان، هذا سوى الاعدامات الجماعية والقتل العشوائي الذي كان ولا زال هدفه تقليل السكان الكورد من حيث العنصر البشري، حتى أن الفرس جمعوا من المناطق التي احتلوها من كوردستان 300 فتاة كوردية عذراء وأخذوهن ليجعلوا منهن سبايا وهدايا للأوزبكيين وغيرهم، ومسلسل الإعدامات للكورد لم ولا يتوقف أبداً… واستمرت الإبادة بحق الكورد إلى حين حدوث حرب الأنفال في اقليم جنوب كوردستان وقصف مدينة حلبجة بالغازات السامة وهي الكارثة التي تعتبر وصمة عارٍ على جبين العرب إلى يوم القيامة، وليس الذي حدث للكورد الازديين في شنكال من جرائم واختطاف وبيع لنساء الكورد في أسواق النخاسة أقل عاراً مما جرى لهذا الشعب من قبل. وتمثلّت الإبادة السياسية في التنكّر لأي حقّ من حقوق الأقوام، وفي مقدمتها “حق تقرير المصير” للأمة الكوردية التي تفوق عدة شعوب حرة وبلاد مستقلة معاً، من حيث كبر الحجم السكاني وسعة الوطن. والذين لهم اهتمام يشؤون الكورد يعلمون أن ثمة اتفاقات سرية وعلنية بين الدول المحتلة لكوردستان على قصم ظهر كل محاولةٍ ساعيةٍ لتوحيد قوى الكورد وتقريب وجهات نظرهم السياسية وتجميع صفوفهم على هدفٍ قومي – سياسي واحد. وما احتلال أجزاء من اقليم جنوب كوردستان سوى عملية هدفها عرقلة نمو وتقدّم وتحقيق الانجازات في الاقليم، وكذلك احتلال 3 أجزاء من غرب كوردستان سوى عملية لنسف محاولة الكورد في هذا الاقليم لبناء شكلٍ متواضع من إدارة أنقسهم ضمن حدود الدولة السورية الحالية، تماماً مثل تلك الهجمات التي قام بها الأعداء وأذنابهم في 16 أوكتوبر المشؤوم حين الاستيلاء على مدينة كركوك، قلب كوردستان، وخطط لها قاسم سليماني الإيراني بالاتفاق مع خونة من الكورد من جنوب وشمال كوردستان. وفي كل مناسبة، وحتى على منصة الأمم المتحدة المفترض فيها أن تكون منصةً للحرية، يقف ممثلو أعداء الكورد ليقولوا بكل وقاحة، مثل بعض الإعلاميين المأجورين، أن ليس هناك قضية كوردية، وهذا يعني لا أرض للكورد ولا حق لهم في الحرية والاستقلال، وحتى في الحكم الذاتي أو تكوين كانتون متواضع الإدارة… والإبادة الاقتصادية للكورد مستمرة بكل وجوهها في الانتاج والاستثمار وسائر البنى التحتية، فإن تهجير آلاف القرى في جنوب وشمال كوردستان وإجراء التغيير الديموغرافي في منطقة عفرين مثلاً سوى أعمال عدوانية تهدف إلى إحباط أي مسعىً للكورد لحماية ممتلكاتهم وبناء قواهم المالية – الاقتصادية، بل إن الصناعة كانت محرّمة على المناطق الكوردية منذ عقود طويلة في سائر أنحاء كوردستان. أما الإبادة الثقافية، فقد كانت على كل المستويات التعليمية – التربوية في المجتمع الكوردستاني، من منع اللغة الكوردية في المدارس والجيش والدوائر الحكومية والمحاكم القضائية، ومنع النشر والتعبير باللغة الكوردية والاستيلاء على الكتب الموضوعة وتهشيم أقراص الأغاني الكوردية، واستخدام ألفاظ اللغة الكوردية على أنها من لغات المسيطرين على الأمة الكوردية، وبخاصة في تركيا، وتزوير الأغاني لتبدو وكأنها من أغاني المحتلين الغاصبين المحتلين… وهل هناك أبشع من ضرب راعي كوردي جاهل حتى درجة الإغماء لأنه فشل في أيامه الأولى من خدمته العسكرية في فهم الأوامر بغير اللغة الكوردية أو التحدّث بالعربية أو التركية أو الفارسية، بل إن معلمة مدرسة ابتدائية تقوم بغرز إبرة في لسان طفلة كوردية لأنها تفوّهت بكلمة كوردية وأخرى تقوم بمعاقبة تلميذة صغيرة لأنها  كتبت اسم تفاحةٍ في دفترها من ثلاثة حروف بلغتها الأم؟ والمؤسف هنا، هو أن كثيرين من مثقفي الكورد قد تخلّوا إلى حدٍ كبير في حياتهم الابداعية والاجتماعية والسياسية عن اللغة الكوردية العريقة في القدم والوارفة الظلال في اتساع قواميسها ومفرداتها… وثمة من يتكلم العربية بنسبة 95% من ألفاظه في تلفزيونات الكورد وهو يظّن أنه يتكلّم بالكوردية، ولا يعاتبه أحدٌ على ذلك… نعم، الكورد معرّضون لإبادة متعددة الوجوه، فلا يغرّنكم ما لدينا من قوى قتالية وأحزاب سياسية وانتاج ثقافي وفني، وهي إبادة عنصرية وسياسية واقتصادية وتقافية شاملة، يتفق عليها أعداء الكورد رغم كل خلافاتهم… وحان الأوان لأن يقف المثقفون معاً في وجه هذا الطوفان الخطير، فلربما تستيقظ الأحزاب السياسية ومنابر الملالي  في شتى أنحاء كوردستان. kurdaxi@live.com      

     
  • الاتجاهات السياسية في غرب كوردستان
    روماف – رأي  جان كورد 
    المعلوم عن الحركات والاحزاب الكوردية في غرب كوردستان غامضٌ بعض الشيء لدى كثيرين من الدارسين والعاملين في الحقلين السياسي والإعلامي من عربٍ وتركٍ وفرسٍ وسواهم، وهذا الغموض له أسبابٌ عديدة، منها كثرة هذه التنظيمات الكبيرة والصغيرة المنتشرة على بقعةٍ ليست واسعة من سوريا، ومنها القمع الطويل الأمد تلريخياً من قبل مختلف الحكومات السورية عبر عقودٍ من الزمن، حيث أرغمت سياسة الاضطهاد الشاملة العمل السياسي الكوردي على الممارسة والنشاط في حدودٍ ضيقة من العلنية والبقاء في عتمة الحراك السرّي، فظلت من دون مكاتب وإعلام وقدرات، واتسمت بالضعف لدرجةٍ يمكن القول بأنها كانت ممزّقة و مشلولة، رغم كل محاولات المخلصين في صفوفها للخروج من تلك الأوضاع السيئة وتوحيد قواها والتحرّك في العلانية وممارسة عملها في تحدٍ صارخ للنظام الاستبدادي، العنصري، المتخلّف الذي كان دأبه القضاء على المعارضة باستمرار، كوردية أكانت أم عربية، 
    وكانت الحركة الكوردية توصف في ملفات اعتقال المناضلين الكورد ب”الانفصالية!” و”ضم جزءٍ من سوريا إلى دولة مجهولة!” من دون تحديد أو إعلان اسم تلك الدولة المزعومة. بل إن معظم المناضلين الذين كان يتم الزج بهم في غياهب السجون والمعتقلات، وبخاصة منذ انتزاع الحكم في البلاد من قبل البعثيين العنصريين في عام 1963 وإلى اندلاع ثورة الشعب السوري في عام 2011 كانوا من الذين خدموا لسنواتٍ طويلة في الجيش السوري، ومنهم من نال أوسمة الشجاعة والخدمة الجيدة أو  لأنهم ساهموا في الحرب دفاعاً عن “الوطن المشترك!”، كما أعلم من تجربتي الخاصة أن محققاً كان قد درس القانون أنكر عليّ القول لدى التحقيق معي بأن الشعب الكوردي مضطهد في سوريا، فها هو “مقهى الأكراد” في مدينة حلب حسب قوله، في حين لا يوجد “مقهى البدو”… وأتبع اكتشافه العظيم ذاك بابتسامةٍ عريضة… وأتذكّر أن عدة طلابٍ كورد كان قد حُكِم عليهم بالسجن لمدة عامٍ واحد ونفذوا الحكم فعلاً لأنهم نادوا معاّ في احتفال بعثي في مدينة قامشلي “عاشت الأخوة العربية – الكوردية!” فهل يمكن تصوّر مثل هذه الدناءة القضائية في أي دولةٍ متخلفة من دول العالم؟ ألا يحرّض هذا السلوك الوضيع الكورد وغيرهم من المضطهدين على إبداء ردود أفعالٍ قوية، ومنها رفض فكرة “الوطن المشترك” أو “الوطن النهائي” جملةً وتفصيلاً”؟ أعتقد أن العالمين بقوانين الفيزياء والسياسة العامة يدركون ذلك تماماً.
    وما أسهم في نشوء أفكارٍ سلبية للغاية، ومنها أفكارٌ عنصرية لدى السوريين بشكل عام تجاه الشعب الكوردي وقضيته القومية العادلة وحراكه السياسي، هو أن الإعلام في سوريا كان ولا زال في أيدي أزلام النظام دون غيرهم من رجال المعارضة والإعلام في البلاد، ومن هذه الأفكار التي انتشرت في ظل سلطة حزب البعث العنصري هو أن الكورد ليسوا قومية ولا أرض لهم ولا لغة مشتركة لهم وهم متخلفون أوباش لا يخضعون لأي نظام ويجب صهرهم في بوتقة الأمة العربية والقومية العربية، بل إنهم على علاقة وطيدة باسرائيل والامبريالية وأعداء العروبة! كما أن إعلام المعارضة ومنه الإعلام الإخواني، الذي تحوّل إلى “إعلام مهاجر” تحت ضغط نظام الأسد  ذي السمة الطائفية قد ساهم في السعي بذريعة الدين المشترك ووحدة الأرض العربية، في التنكّر لحقوق الشعب الكوردي وفي تشويه الدين فيما يتعلّق بهذا الشعب، إلى جانب إعلام النظام الذي يعارضه في كل شأن… وبالفعل ثمة قصص غريبة وعجيبة عن أفكار الإخوان “المسلمين!” ومن على شاكلتهم حيال القضية الكوردية، ومن ذلك وقوفهم مع مجرم العصر “صدام حسين” ضد الشعب الكوردي في العراق كمثالٍ صارخ على انحيازهم لأفكار البعث الهدامة في حين ظلوا على الدوام يخطبون في المساجد داعين إلى “الأخوة في الإيمان!”.
    هذه الأوضاع غير الديموقراطية وغير الانسانية في سوريا تسببت، إلى جانب أسبابٍ عديدة أخرى في تشتيت الحركة السياسية في غرب كوردستان، فتعددت الولاءات واشتدت الخلافات وتعاظمت الانشقاقات بتأثيرات مختلفة المصادر، منها المحاولات المستمرة من قبل الأجهزة الأمنية السورية لفرض ما تشاء على أطرافٍ من هذه الحركة، ومنها بسبب الولاءات لأحزاب كوردستانية من خارج سوريا، ومنها فكرية إلى حدٍ ما، كما كان للحزب الشيوعي السوري دورٌ في نشر أفكاره الأممية في جسد الحركة القومية الكوردية، في حين أن الحركات الإسلامية والاتجاهات الطائفية والمذهبية لم تتمكّن من اقتحام البيت السياسي الكوردي في أي وقتٍ من الأوقات لأنها كانت ترفض وجود حركة قومية كوردية إطلاقاً في حين أنها لم تكن بذات النظرة السيئة حيال القومية العربية، بل كانت تعتبرها -حسب علمي- وعاءً لسائر الشعوب الاسلامية لأن القرآن باللغة العربية، وبرأي بعضهم هو أن كل من يتكلّم العربية فهو عربي، أي أن زعماء وإعلاميي اسرائيل الذين بعضهم يجيدون العربية مثل أحفاد قحطان هم “عرب”، وهذا ما صدّهم عن التوغّل قي حقل السياس
    الآن، لدينا في هذه البقعة من بلاد الكورد إتجاهات عديدة، منها:
    – الأممي الذي يمثله حزب العمال الكوردستاني الذي يسيطر على مفاصل القيادة وإدارة التوجيه في حزب الاتحاد الديموقراطي، السوري شكلاً والتابع المطيع عملاً لحزب السيد أوجلان الذي قيادته في جبل قنديل بجنوب كوردستان (شمال العراق)، ويعتبر حزب الاتحاد الديموقراطي ذاته حزباً “غير كوردي” في إعلامه القوي، ويسعى لحلٍ ديموقراطي لسائر قضايا المكونات السورية على ضوء الأفكار الأممية لزعيمه السيد أوجلان المعتقل منذ عقدين من الزمان في تركيا، حيث تحوّل من قائد ثورة وطنية كبيرة
    – إلى مواطن مخلص لأفكار وسياسة مصطفى كمال العدو الأوّل للشعب الكوردي حسبما كان أوجلان نفسه يقول وينشر عنه. وهذا الاتجاه المتأثر بفلسفة أبي الفوضوية الشهير عالمياً موراي بوكتشين التي اتسع نطاق المؤمنين بها بعد أن تخلّوا عن الماركسية – اللينينية لا يؤمن بحق الأمة الكوردية في إقامة أي كيانٍ قومي لهم، بل إنه سيقاوم من يعمل له بكل قوته العسكرية العظيمة، فالأوامر التي يتلقاها من قيادة حزب العمال الكوردستاني صريحة في هذا المجال، أي رفض حرية واستقلال الكورد في وطنهم كوردستان. وقد حاول هذا الاتجاه إيجاد برزخ له بين نظام الأسد والمعارضة السورية، فلا النظام اعترف به كتنظيم سياسي سوري ولا المعارضة اعتبرته تنظيماً سورياً، بل اتهمه الطرفان ب”الانفصالية” ومحاولة “إقامة كيان كوردي على الأرض السورية”، وقد سعت تركيا إلى القضاء على وجود هذا التنظيم واعتبرته حتى اليوم إرهابياً على الرغم من كل مساعي قياديي هذا التنظيم لإرضاء تركيا ولإقامة علاقات حسن جوار معها… ففي هذا الحقل لا نرى دولة كوردية أو فيدرالية قومية أو حتى حكم ذاتي كوردي في سوريا وإنما هلامية سياسية غير محددة جيداً في ظل الأفكار الطوباوية عن “أخوة الشعوب” و “عالم الأمم الديموقراطية!”، ولا أدري هل هناك  في سوريا من يدعو للحرب بين الشعوب أو أن هناك “أمم دكتاتورية!” في العالم.
    – و هناك الاتجاه الديموقراطي الذي يكاد يكون الأكثر قبولاً من الشعب الكوردي، وكتلته المتماسكة والأكبر حجماً والمقبول كحليف من قبل المعارضة السورية هي (المجلس الوطني الكوردي) المعروف ب”الأنكسة”، رغم رفض غالبية الشعب الكوردي لانضمام الأنكسة إلى إئتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية الذي يؤيد مطالب الكورد القومية في سوريا على الورق، إلاّ أنه يدعم بشكل عملي -مع الأسف- سياسة حكومة العدالة والتنمية التركية في المناطق الكوردية المحتلة من قبل الجيش التركي، وهي سياسة التغيير الديموغرافي لإنهاء الوجود الكوردي فيها، وعلى الأخص في منطقة جبل الكورد التي مركزها مدينة عفرين الخاضعة الآن لحكم الفصائل المرتزقة والدموية المتنافسة في مجال النهب والسلب والتقتيل والتعذيب، والتي فاقت جرائمها جرائم المغول والتتار في العصور الماضية بالتأكيد.
    هذا الاتجاه يشمل العديد من التنظيمات الحزبية المتفقة على النضال من أجل حق الشعب الكوردي في الحياة الكريمة والحرية والسلام والأمن والاستقرار ضمن حدود الدولة السورية ولا يملك قوات قتالية في سوريا، ولكن ثمة جيش مدرّب له بشكل حرفي في اقليم جنوب كوردستان، يرفض الاتجاه الأول الذي ذكرناه آنفاً دخوله الأراضي السورية ويهدد بالقتال ضده ومنعه من البقاء في سوريا لأسبابٍ غير معقولة وبذريعة أن المناطق الكوردية في سوريا لا تتسع لجيشين، وعلى مقاتلي (لشكرى روژ) التابع للأنكسه أن ينضموا كأفراد إلى قوات (قسد) التابعة لهذا الاتجاه… وهذا يعني قبول أفكار السيد أوجلان التي تمليها عليه المخابرات التركية ويأخذ بها طوعاً أو كرها.
      إتجاه الأنكسة الديموقراطي يؤمن بالحوار بينه وبينه حزب الاتحاد الديموقراطي الهلامي الأفكار وقد انعقدت ببن الطرفين اجتماعات عديدة في هولير (أربيل) و (دهوك) حيث توصلا إلى اتفاق مبدئي لم ينفّذ، كما تحاورا مدةً طويلة في مدينة قامشلي، بحضور الوسيط الأمريكي، إلاّ أن زاوية الانفراج بين الطرفين في اتساع بسبب الممارسات اللاديموقراطية الطائشة التي يمارسها بعض مسؤولي حزب الاتحاد الديموقراطي تجاه الأحزاب الكوردية الأخرى، في وقتٍ يحاول النظام السوري بدعم روسي السيطرة التامة على شمال شرق سوريا، ويحاول الأتراك ضمّ تلك المناطق إلى بلادهم، مثلما فعلوا سابقاً مع لواء اسكندرون السوري، ولا زالت الحركة السياسية الكوردية عاجزة عن إيجاد أساسٍ مشترك للعمل من أجل شعبنا المغدور.
    ليس في صفوف الحراك الكوردي السوري اتجاه عنصري كما هو الحزب القومي التركي المبني على أساس العنصرية الصارخة مثلاً، وليس هناك تنظيمات كوردية دينية متطرّفة كما لدى المعارضة السورية حالياً، ولكن ثمة اشتراكيين وتيار يقبع في أحضان النظام السائد، كما هناك من ينادي الآن بحذف كل ما هو كوردي من برامج الأحزاب الديموقراطية الكوردية والسعي لترسيخ أفكار “المواطنة التامة والعادلة” و”تأمين الحقوق الثقافية للكورد” دون أي مطالبة بفيدرالية أو حكم ذاتي أو إدارة ذاتية… أي قبول “الإدارة المحلية” كما هي في ظل الدستور الحالي، بل هناك أيضاً تنظيم شيوعي صغير لا زال يحلم رؤساؤه بعودة “الربيع الماركسي- اللينيني”، حيث سيحصل الكورد فيه على حقوقهم القومية كاملة.
    وعليه يجب كف أنصار النظام وأنصار المعارضة وأتباع النظام الأردوغاني وكل الإعلاميين في شرقنا الأوسط عن اتهام الكورد بالإرهاب فليس هناك “إرهاب كوردي” وبالانفصالية أو السعي لبناء دولة خاصة بهم، على الرغم من أن حق تقرير المصير لايستثني الشعب الكوردي، وثمة شعوبٍ أقل سكاناً وأضيق أرضاً مما لدى الكورد وتتمتّع باستقلالها وحريتها على أرض وطنها… فلماذا يزعق الديموقراطيون كالغربان ويقفون مع المعتدين الظالمين ضد مطالب الشعب الكوردي العادلة وينافسونهم في كيل الاتهامات للكورد عموماً وحراكهم السياسي السوري خصوصاً؟

     
  • الكورد والإستراتيجية الأمريكية الجديدة.. والحليف القوي
    روماف – رأي  عزالدين ملا منذ أن دخلنا القرن الحادي والعشرين وبالأخص بعد العقد الأول منه، والسياسة الدولية تأخذ منحىً واتجاهاً آخر، هو عدم وضوحها في العلاقات الدولية وفي التعامل مع الدول المستبدة والديكتاتورية وكذلك مع الشعوب المضطهدة، حيث طغى عليها عامل المصالح الإقتصادية، وكذلك السياسة الدولية في الصراعات لم تعد بمواجهة عسكرية لفرض إملاءات بين الدول، ولم تعد وسيلة ضغط كما السابق، ففي الحدث الأفغاني وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية وضعت العالم أمام مرحلة جديدة، ستخلق حيثيات وترتيبات تغير من كافة المفاهيم السياسية المعتادة، وقد تكون بداية كسر إتفاقيات القرن الماضي وخاصة اتفاقية سايكس بيكو المفروضة في الشرق الأوسط، ويبدو ذلك لظهور إتفاقيات جديدة وفرض تحركات جغرافية مغايرة لِما كانت في الماضي وتقوية مكانة ونفوذ الدول العظمى وخاصة أمريكا وحلفائها أمام تمدد الدب الروسي والتنين الصيني إقتصاديا أولاً وتجارياً ثانياً وسياسياً ثالثاً. الدول العظمى أثناء تنفيذ خطوة، تكون عن دراسة وتخطيط محبك ودقيق يراعي مصالح الدول الحليفة والصديقة من جهة ومن جهة أخرى وسيلة ضغط على الدول المعادية للحصول على التنازل أو التراجع. مع المحافظة على النفوذ والتوازن في السياسة الدولية، وعندما قامت أمريكا بخطوة الإنسحاب من أفغانستان، كانت بعد تحليل كافة أبعادها القريبة والبعيدة، ودراسة تداعياتها المرحلية والمستقبلية، مع أخذ كافة الاعتبارات العقائدية والطائفية والقومية والجغرافية والمصالحية وحتى الأخذ في الحسبان اساليب الضغط والتضييق لفرض أجنداتها وإجبار الآخر بالتنازل وتنفيذ المطلوب. فكان هذا الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، أولاً، المقايضة والضغط على الإتحاد الروسي التي تحاول بكافة السبل إرضاء أمريكا مقابل الحفاظ على وجودها في شرقي المتوسط أي السواحل السورية، بالمقابل أمريكا تعمل على كسب روسيا في مواجهة الهالة الإيرانية الضخمة في منطقة الشرق الأوسط وتمددها الأرعن. وكما نعلم كانت الاستراتيجية الأمريكية في بداية الربيع العربي قائمة على استهداف سوريا والعراق لإيجاد تبرير سياسي وعسكري لوجودها داخل هذه المنطقة، بعد أن مكنت وجودها في الخليج العربي وطمأنة دولها بعدم تمدد الإرهاب المصطنع والأذرع الإيرانية نحوها، فبررت وجودها في هذه الدولتين بمحاربة الإرهاب من خلال التدخل ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي، وبعد أن مكنت وجودها، بدأت مرحلة ما بعد إرهاب داعش، أي مسألة شرعنة وجودها في العراق وشمال شرق سوريا سياسياً وأمنياً وإقتصادياً، يحصل ذلك من خلال مسائل الضغط والمقايضة وفرض إملاءات، ومن هذه الغاية كانت الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان وبموافقة ورضى روسية، التي تعمل بكل السبل لبتر يد إيران من سوريا، من خلال هذا الإنسحاب ينتج إضطراب وقلق على الحدود الايرانية مع أفغانستان بعد سيطرة طالبان ذات توجه سني أخواني، الرعب الطالباني الذي سيجعل إيران مجبرة على قبول إملاءات أمريكية روسيا من الرضوخ لشروط الملف النووي وأيضا إضعاف وجودها في سوريا ووقف تمددها في العراق. وأيضاً لإرباك الرعب الإقتصادي الصيني التي أصبحت قوة إقتصادية لا يستهان بها، بوجود دولة سنية ستربك تجارة الصين العالمية مما يفضي إلى إضطراب وخلل إقتصادي وتجاري. أما بالنسبة لشعوب المنطقة أن هذا الإرباك والإضطراب سيمنحهم نافذة من هامش إصلاحي وديمقراطي، قد تكون في مستوى ليس بالمطلوب، ولكن يفسح المجال لبعض التنفيس، وإن لم تكن غاية الدول في التدخل والتداخل ولكن سياسة التوازن وفرض النفوذ يتطلب ذلك. الولايات المتحدة الأمريكية وبعد تغيير أساليب السيطرة والنفوذ من التدخل العسكري إلى الإعتماد على حلفاء محليين، مكنت نفسها في آسيا الوسطى من خلال تعيين شرطي أمريكي يحمي مصالح ونفوذ وأمن أمريكا وهي باكستان، وبسيطرة حركة طالبان على أفغانستان دعمت قوة باكستان في تلك المنطقة. وتحاول أن تُمكن مصالحها ونفوذها وأمنها في تأمين حلفاء لها في الشرق الأوسط، عدا حلفائها التقليديين كـ تركيا ودول الخليج، تبحث عن حليف جديد يكون السورالتي تحد من الخلافات بين تركيا الإخواني والخليج الوهابي السني، لمنع حصول أي خلل أو إضطراب يضر بمصالحها ونفوذها في المنطقة، والحليف الجديد ذو ثقة ومصداقية هم الكورد. بالنسبة للشعب الكوردي الفرصة ذهبية قد لا تتكرر، ونحن على أعتاب نهاية قرن من إنتهاء مفعول الاتفاقيات المشؤومة التي قسمت منطقة الشرق الأوسط إلى دولٍ، دون إعتبارات قومية ولا إنسانية، هذه الإتفاقيات التي دفع الكورد ضريبتها الكثير الكثير من الإضطهادٍ والتمييز العنصري والقتل والتشريد، ظلم لم يشهده أي شعب آخر على مرّ التاريخ. المشاريع والترتيبات الجديدة التي أدخلتها أمريكا إلى المنطقة جميعها من أجل تطويعها للإستراتيجية الأمريكية القائمة على الهيمنة والنفوذ، والكورد من ضمن تلك المشاريع بعد أن وجدت الولايات المتحدة الأمريكية فيهم من خاصيات ما لم تجدها عند أي من شعوب المنطقة، أولاً، وجدت في الكورد حليف يمكن الإعتماد والتعاون معهم في محاربة بؤر الإرهاب. ثانياً، كسب من خلال موقع تواجد كورد العراق وسوريا مركز استراتيجي لفرض الهيمنة والنفوذ على المنطقة والعالم. ثالثاً، سداً منيعاً لحماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي. رابعاً، منافساً لتركيا من أجل تنشيط حركة التجارة في المنطقة ولطمأنة دول الخليج من إزدياد النفوذ التركي. هنا يتلاقى مصالح الكورد مع مصلحة أمريكا الإستراتيجية. فقط الحاجة إلى إثبات قوة الكورد جديرة بالتحالف معه، هنا يتطلب من الكورد معرفة نقاط الخلل والعمل على تداركها، والإسراع إلى تذليل الخلافات والخروج بموقف وهدف موحد، الجغرافية الجديدة ستكون على أساس الحليف القوي.

  • تعددت المسميات والعناوين لحزب واحد
    روماف – رأي  ماهر حسن 
    حينما وضع منظومة العمال بي كي كي وبالتوافق مع النظام السوري خارطة استلام مناطق الكوردية في اتفاقية أبرمت سراً لا يعلم بها أحد، لم يهتموا كثيراً لرغبات الكورد، وحولوا كوردستان سوريا الى بؤرة ابوجية في حين كان عددهم محصور لا يتجاوز أصابع اليدين. استلم بي كي كي المصادر الاقتصادية ومراكز نفوذ من خلال قوة عسكرية وقسمت الاتفاقية فعلياً كوردستان سوريا إلى مناطق متفرقة ومشتتة تحت مسمى بالكانتونات. فهذا أمر ليس عجيب ولا يثير التساؤلات حول الأسباب التي دفع النظام السوري إلى إبرام مثل هذا النوع من الاتفاقيات مع منظومة بي كي كي. 
    وما تلقفه الكورد في هذا الإرث السيء الموبوء بالأمراض الشنيعة، هو الفساد الإداري والمالي الخفي الذي يمارسه جناح منظومة بي كي كي في سوريا (PYD ومؤسساتها) ولا يستطيع أحد محاسبتهم باعتبارهم جهة محصنة من المساءلة والتقييم، كما لايوجد في هذه الإدارة اصحاب القرار من كورد سوريا بعد، ومانشهده من الوجوه على الاعلام مجرد اشخاص متشبعون بفكر وفلسفة قنديل، إضافة الى أنهم وبدون استثناء ورغم ظهور محاولات خجولة هنا وهناك للتفاوض مع الاحزاب الكوردية كانت كلها ترقيعية غير جدية تعتمد على سياسة قنديل والى أطروحاتها البالية، وبعودة سريعة إلى الاحداث التي لم يمض عليه سوى يوم، سندرك ترجمة حقيقية لتلك السياسة المقيتة في النهب والسلب والتدمير لكوردستان سوريا.
    وصمت جميع المؤسسات بمختلف مسميات حيال ممارسات شلة من زعران الشبيبة الثورية باعتداءهم على المظاهرة المنددة برفع الأسعار، كأنما يقولون لنا ان المنتسب لحزبهم (اقصد هنا حزب بي كي كي ) معصوم من أي شائبة، وهو مثال مفترض للإخلاص والوطنية في كوردستان سوريا، ويمتلك الحقيقة المطلقة التي تؤكد سيادة ويتميز ويتفوق على جميع الطبقات الاجتماعية والسياسية. وهكذا يحاول أصحاب هذه النظريات لدعم بقائهم الأبدي في السلطة بمجموعة من المستفيدين وبتسميات عديدة ونشوء تنظيمات مسلحة تاخذ تعليماتها من القنديل يعكس هذه العقلية لغرض خدمتهم في تحقيق مآربهم
    كما يدافع بعض الكتّاب عن هؤلاء بحجة تغيير نمط هذه الإدارة على افتراض أنها ستأتي ببديل يختلف في نهجها ويقترب من التجارب الأوربية في نُّظم المؤسسات دون ان يدرك هذا المثقف والكاتب أن مسألة قبول الآخر والتعاطي معه ليس وصفة جاهزة للتنفيذ والأخذ بها بقدر ما هي نتاج نظام تربوي ومعرفي واجتماعي بعيد عن اهانة كرامة الانسان وفرض إتاوات وقتل وتنكيل. كما ان ابتكار منظومة العمال نماذج من هيئات ومؤسسات ممسوخة وتمنحها أسماء وأصناف ومواصفات لا تعني وبكل التأكيد ان يغلق باب الحديث عنها طالما بقيت منظومة بي كي كي تلتزم سياسة تخوين وتجلب الويلات لشعبنا.
     

     
  • السياسة الدولية في سوريا.. والكورد… بين سندان التشرذم الكوردي ومطرقة العدو الإقليمي
    روماف – تقارير عزالدين ملا تتحرك الدبلوماسية والسياسة الدولية في منطقة الشرق الأوسط وخاصة سوريا والعراق بوتيرة عالية ونشطة خلال هذه الفترة وخاصة بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. حيث بدأ الحديث أيضاً عن قرب عقد اجتماع آخر لـ “جنيف” من سلسلة الاجتماعات المتكررة له منذ أكثر من عشرة أعوام. منذ أن بدأ الحديث حتى تحرّكت القوى المتحكمة بالشأن السوري في فرض إملاءاتها داخلياً وخارجياٍ ما عدا الكورد. روسيا مع النظام قامت بقصف إدلب لفرض هيمنتها العسكرية على الإجتماع القادم. وتركيا التي بدأت بتحركات عسكرية على الحدود السورية لتوجيه رسائل ضغط وهيمنة. إيران مع النظام بفرض قوتها العسكرية على منطقة درعا. إسرائيل التي تقصف مواقع عسكرية إيرانية. أمريكا الدولة التي أربكت كثير من دول العالم في انسحابها من أفغانستان تعد العدة لفرض قوتها السياسية والعسكرية والأمنية على العراق وسوريا. ما عدا الكورد ما زالوا ملتهين بالإتهامات والمزاودات. 1-    كيف تحلل هذه الأحداث في الشرق الأوسط عامة والعراق وسوريا خاصة؟ 2-    هل يمكن أن الجولة القادمة من اجتماعات جنيف واللجنة الدستورية بداية نهاية معاناة السوريين؟ أم بداية لمرحلة معاناة جديدة؟ ولماذا؟ 3-    ما تحليلك للوضع الكردي؟ وأين تجد مكانه في المرحلة القادمة؟ 4-    الأطراف الكوردية تعلم أن في وحدة الصف والموقف الكورد قوة المطالبة بحقوق الكورد، أين المشكلة؟ ولماذا هذه المماطلة؟ وما المطلوب للخروج بما يرضي الجميع؟ مخاطبة المجتمع الدولي بموقف موحد يحقيق مكاسب أفضل للكورد تحدث عضو اللجنة السياسية في الحزب يكيتي الكوردستاني- سوريا، فؤاد عليكو، بالقول: «بالتأكيد بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ستتبلور يوماً بعد آخر السياسة الأمريكية الجديدة في عموم الشرق الأوسط والتي تتلخص حسب تصوُّري، أن لا تدخُّل عسكرياً في دول الشرق الأوسط، وإنما سوف تعتمد على حلفاء محليين للقيام بهذا الدور ودعمهم لوجستياً من خلال خبراء ومستشارين عسكريين بالإضافة إلى استخدام العقوبات بحق المعارضين لسياستها في المنطقة. اما بالنسبة لسوريا، فما يهم أمريكا من  سوريا سوى أمن إسرائيل أولاً والأردن ثانياً، ومحاربة داعش ثالثاً. وحسب المعلومات الشحيحة المتوفرة، فإن الملف السوري قد تم التوافق عليه في لقاء الرئيسين بوتين/ بايدن في حزيران المنصرم، وأن الروس قد وافقوا على الشروط الأمريكية التي ذكرناها مع تغيير طفيف في سلوك النظام السوري من خلال إجراء تعديلات معيّنة على الدستور السوري عبر جنيف لإضفاء الطابع الدولي عليه، ومشاركة بعض أطياف المعارضة التي تقبل ببقاء النظام». ويذكر عليكو: «أن سياسة تأهيل النظام من جانب روسيا بدأت منذ مؤتمر آستانة ٢٠١٦ ومؤتمر سوتشي ٢٠١٨، والدول العربية جميعها أصبحت جاهزة لتقبل ذلك ولم يبق سوى إرضاء أمريكا وتركيا والمباحثات تحت الطاولة مستمرة منذ لقاء الرئيسين، واليوم بدأنا نلمس ذلك على أرض الواقع من محاولة النظام السيطرة على كامل الأراضي السورية، وما نشهده في درعا وإدلب يصب في هذا الإتجاه، كما أن اللقاءات الأمنية بين تركيا والنظام السوري خرجت للعلن وسوف يتم البناء على إتفاقية أضنة ١٩٩٨، بالإضافة إلى إرضاء تركيا في المجالات الاقتصادية. أما النظام، فقد بدأ يعد العدة للتغيييرات الدستورية الجديدة مسبقا حتى لا يفسر بأن بعض المواضيع والقضايا قد فرضت عليه، فقد أعلن بشار الأسد القبول بمبدأ لامركزية الدولة ومنح الحقوق الثقافية للكرد وبقية المكونات، ولم يعد هناك عقبات أمام تأهيل النظام وقبوله في المجتمع الدولي سوى الموقف الأمريكي من إيران وكيفية تحجيم دوره في سوريا إرضاءً لإسرائيل أولاً والدول العربية ثانياً، هذا الموضوع ليس بالأمر السهل تجاوزه، وإذا ما تمّ معالجة هذا الموضوع، فسوف يصبح الطريق مُمهّداً أمام انعقاد اللجنة الدستورية والتي لن تنعقد إذا لم يكن هناك اختراق إيجابي وحقيقي في ملف الأزمة السورية. نلاحظ مما تقدم غياب الدور الأساسي للمعارضة السورية بما فيهم الكرد، لكن وجودهم ضروري للتوقيع على حل يوافق عليه الأطراف الدولية الأساسية المعنية بالازمة السورية». يتابع عليكو: «أما بالنسبة للكرد وكما ذكرت سابقاً هناك غياب كامل لدور المعارضة بما فيهم الكرد في التأثير المطلوب على مخرجات الحل السياسي، لكن ومن خلال نشاطات المجلس الوطني الكردي سواء عبر لجنة العلاقات الخارجية أو من خلال الائتلاف أو هيئة التفاوض فقد تم نقل الصورة كاملة عن القضية الكردية وعن معاناة الكرد وظلمهم ونكران حقوقهم، وكذلك مطالبهم في سوريا المستقبل إلى جميع الدول المعنية بالملف السوري بشكل مقبول، ولا أعتقد بأن المجتمع الدولي سيتجاهل هذه الحقوق، لكن ليس كما نريد، بل كما يتم التوافق عليه بين هذه الدول، وخاصة بين روسيا وأمريكا وتركيا». يضيف عليكو: «من هنا تقضي الضرورة والمصلحة الكردية توحيد الموقف الكردي في هذه المرحلة الحساسة من استحقاق الحقوق وإعداد دستور جديد للبلاد، لكن وعلى الرغم من أن الحوار لم يتوقف بين الطرفين وبرعاية أمريكية، وحصل تفاهم في عدة نقاط هامة لكن لايزال الكثير من النقاط الهامة قيد النقاش، وخاصة فيما يتعلق بتدخل حزب العمال الكردستاني المباشر في شؤون كرد سوريا والهيمنة على قراره وما تسببه هذا التدخل من عقبات أمام أي إتفاق بين الطرفين. نأمل أن يتم تجاوز كل الخلافات خلال الجولة الحالية، وحينها نستطيع مخاطبة المجتمع الدولي بموقف موحد ومن موقع أقوى وتحقيق مكاسب أفضل». بوصلة المصلحة الكردية القومية يتم بالاجتماع على كلمة واحدة ضمن إطار مؤسسات ترقى لنظام الدولة تحدث عضو اللجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، فيصل نعسو، بالقول: «للأسف نقول إن اللاعب المسيطر على المشهد في الشرق الأوسط بشكل عام هو اللاعب الروسي وفي سوريا بشكل خاص. وبعام 2015 نشر كيسنجر مقالاً في صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أشار فيه إلى أن التدخل العسكري الروسي في سوريا تسبب في جلب الفوضى للبنية الجيوسياسية التي اتسمت بها منطقة الشرق الأوسط عقودا. وربما الولايات المتحدة الأمريكية تسعى من خلال الانسحاب العسكري من أفغانستان إلى خلق بؤرة توتر على الحدود الروسية من خلال حكم طالبان وإعادة خلط الأوراق من أجل الضغط كورقة رابحة على ملفات الشرق الأوسط ومنها سوريا بالدرجة الأولى. والتصعيد الأخير في درعا جزء من هذه التفاهمات غير المعلنة ومباركة من بقية اللاعبين في دول الجوار». يتابع نعسو: «عليه يكون أي إجتماع للجنة الدستورية في جنيف بدون قيمة ومعنى كسابقاتها إذا لم يحدث تفاهم مسبق بين الروس والأمريكان لتقسيم النفوذ في الشرق الأوسط وحل مشاكل ليبيا والقرم وأوكرانيا والعقوبات الاقتصادية على روسيا، هي سلة متكاملة يتم التفاوض عليها والغلبة لمن يملك اوراق الضغط على الأرض». يضيف نعسو: «للاسف الكرد كعموم الشعب السوري في سفينة بخضم بحر هائج، الكل يتلاعب به كموج البحر، ولا مستقر لهذه الرحلة الطويلة ولا رؤية قريبة لليابسة. لكن وبرغم كل هذه الصعاب على الكرد السوريين قراءة المشهد بصورة جيدة والاتجاه نحو بوصلة المصلحة الكردية القومية ونبذ التشرذم والخلافات الحزبية الضيقة والاجتماع على كلمة واحدة ضمن إطار مؤسسات ترقى لنظام الدولة تحضيرا للمرحلة المقبلة». الاتفاق الكوردي هدف استراتيجي يضمن خلاصنا في كوردستان سوريا تحدث السياسي، حميد خليل، بالقول: «للوهلة الاولى بدا الانسحاب من أفغانستان هو تخلٍّ أمريكي عن منطقة آسيا الوسطى وربما سينطبق ذلك على العراق وسوريا. لكن باعتقادي ان ذلك الإنسحاب لم يكن قراراً اعتباطيا أو متسرعاً من بايدن إنما جاء نتيجة لاستراتيجية أمريكية في آسيا الوسطى بأدوات وسياسات جديدة ربما ستكون أكثر فاعلية من وجودها بشكل مباشر في أفغانستان، وستعزز بذلك تركيزها ووجودها أكثر في العراق وسوريا من خلال تمرير سياسات الفوضى الخلاقة في منطقة آسيا الوسطى عبر حركة طالبان التي اتفقت معها في قطر على صفقة التسليم، واعتقد أيضا عبر إطلاق يد باكستان في المنطقة، وخلق حالة من الفوضى على كافة الجبهات الصينية والروسية والايرانية والتركية، وجعل باكستان دولة إقليمية مؤثرة على ساحة آسيا الوسطى، وجعلها شرطياً أمريكياً يحافظ، ويدافع عن المصالح الأمريكية في المنطقة». يتابع خليل: «أما الصين فرغم ابتهاجها بالانسحاب الأمريكي لكن الأيام القادمة كفيلة بوضع الصين في مأزق الصراع الأفغاني الباكستاني لأسباب أهمها إضطهاد الأقلية المسلمة على أراضيها هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن باكستان وأفغانستان يشكلان العصب الرئيسي لبداية طريق الحرير الصيني للانفتاح على باقي العالم. وكذلك ستقوم بتحجيم أو لجم تركيا في النفاذ إلى تلك الجغرافيا، وخلق منافس قوي لها على زعامة المحور السني في العالم العربي والاسلامي، ما سيشكّل ورقة ضغط أمريكية إضافية على تركيا لإخضاعها والعودة بها إلى الحاضنة الأطلسية. وكذلك إيران لن تكون بمنأى عن الضغوط على حدودها مع باكستان عبر إقليم بلوشستان وأيضاً حدودها مع أفغانستان السنية، والتي تميل بمعتقداتها إلى المحور الخليجي المنافس والعدو التقليدي لإيران مما يساعد لفرض أجندات على الحوار من أجل الإتفاق النووي وتحجيم دورها في العراق وسوريا من خلال فتح جبهات استنزاف جديدة لإيران. أما روسيا المنافس الشرس لأمريكا فستجد نفسها مضطرة لحماية حدودها وتعزيز تواجدها العسكري في جمهوريات آسيا الوسطى، واستقدام قوات إضافية إلى حدودها الجنوبية، ما سيرتب عليها أعباء اقتصادية إضافية وإرباكاً في استراتيجياتها الأمنية في المنطقة، وتقليص دورها إلى حد ما في سوريا عامة وشمال سوريا خاصة، وهذا ما دفعها لاستباق الأحداث ومحاولة تعزيز وجودها العسكري على حساب تركيا والمعارضة مؤخراً في مناطق إدلب، وأعتقد أن روسيا ستحاول الإسراع بالحل السياسي السوري من خلال جنيف في المرحلة القادمة. أما بالنسبة للوضع العراقي والسوري فلا يمكن إسقاط تلك التجربة الأفغانية على جغرافية البلدين، وليس هناك وجه للتشابه أو الإسقاط وذلك بحكم اختلاف الجغرافيا والأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجيات بعيدة الأمد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بشكل عام، فالانسحاب الأمريكي من سوريا والعراق سيجعل منها دولة ما وراء البحار وسقوطاً حراً لعظمتها على الساحة الدولية وتقديما لجغرافيا قلب العالم على طبق من ذهب لروسيا والصين». يضيف خليل: «الحوار الكوردي الكوردي يقين وغاية وهدف وربما حلم لنا ككورد في الخلاص والانعتاق، لكن في اعتقادي وللأسف فإننا ككورد قراءتنا ضعيفة لواقع الجغرافية السياسية لمناطقنا والمصالح الدولية المتشابكة والمتنافسة عليها من قبل الدول الإقليمية والدول المحورية المتنفذة على الساحة السورية بشكل عام وكوردستان سوريا بشكل خاص. فالحوار الكوردي الكوردي يستخدم كورقة ضغط من كافة الاطراف، وهنا لا بدَّ من قراءة قصيرة في الملف التركي وأطماعها في مناطقنا. فروسيا من جهة تسعى لكسب تركيا وإبعادها ما أمكن من الحاضنة الأطلسية والاستفادة من وضعها الإقليمي ومضائقها النافذة إلى المياه الدافئة (البوسفور والدردنيل)، ولا أعتقد أنّ الكورد يشكّلون عائقاً لروسيا والتنازل أو القضاء على القضية الكوردية مقابل كسب تركيا التي أصبحت في حديقة روسيا الخلفية (أذربيجان) أمراً صعباً حتى إذا تم ذلك بالتنسيق بين تركيا وسوريا برعاية روسية». يعتقد خليل: «أن الأمريكيين حتى اللحظة غير مهتمين بالكورد أو حتى اعتبارهم شركاء على المدى القصير ناهيك عن اعتبارهم حلفاء استراتيجيين، ويتضّح ذلك من خلال مماطلتها وإهمالها المتعمد كراعٍ في استئناف الحوار أو الضغط باتجاه تنفيذه، وهنا يظهر التنافس الأمريكي الروسي على تركيا لكسبها من خلال الورقة الكوردية. أما فرنسا والتي تتمتع بدور مهم في المنطقة الكوردية كقوة فاعلة بعد أمريكا فيبدو أنها أيضاً تستخدم الكورد السوريين من خلال استقبالها لهم في الأليزيه كورقة ضاغطة على تركيا للتراجع ما أمكن عن اعتداءاتها على المصالح الفرنسية في وسط وشمال وغرب أفريقيا، فقد بلغ حجم الاستثمارات التركية في أفريقيا منذ عام 2004 حتى عام 2019 من 3 مليار دولار إلى 22 مليار دولار على حساب الاستثمار الفرنسي. كما أن تركيا وقعت مؤخراً اتفاقية تعاون عسكري مع النيجر، وصرّح مولود جاويش أوغلو أن تركيا ستدعم الدول الأفريقية وخاصة دول الساحل، وهذا ما سيؤدّي إلى تحجيم الدور الفرنسي. وعلى ذلك فقد شارك ماكرون في قمة تجمُّع دول الساحل الأفريقي لتشكيل جبهة تحدٍّ من التوسُّع التركي. وهنا لن أطيل، وأتحدث عن الدور التركي في الخليج من خلال قطر والبحر الأحمر من خلال قواعدها في الصومال وعن أوروبا وورقة اللاجئين المهددة لأوروبا». يختم خليل: «بناءً على كل ما ذكر سابقاً فإن تركيا مستعدّة للتنازل عن جزء من كل تلك الفوضى أو الإعتداءات على المصالح الدولية في المنطقة  في سبيل الحصول على شمال سوريا كاملاً ومحاصرة كوردستان العراق وإنهاء الوجود الكوردي. لذلك أعتقد أن الإسراع في الوصول إلى اتفاق كوردي بأي ثمن سيجنب الكورد في سوريا مأساة عفرين وسري كانييه التي لا تجد فيها أياً من أحزاب الوحدة الوطنية أو أحزاب المجلس الوطني الكوردي، فجميعنا كورد بعيون تركيا. لذلك فإن الإتفاق الكوردي في سوريا هدف استراتيجي يضمن خلاصنا في كوردستان سوريا، وكذلك سيكون له تبعات إيجابية على الأجزاء الكوردستانية الأخرى». وحدة الصف الكردي هو الخيار الأنسب لمستقبل الشعب والقضية الكردية في سوريا تحدّث البيشمركة، عبداللطيف موسى، بالقول: «يلاحظ المتتبع للسياسة الدولية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي سويا على وجه الخصوص أنها تعتمد على مبدأ المصالح. تلك المصالح التي تتخذ منحى أو أشكالاً تعتمد على الظروف التي توضع جميع الخطط لها على شكل استراتيجيات تحدد شكل التعامل. يتم استثمار تلك الاستراتيجيات خارجيا، وكما يتم استغلالها داخلياً لتحقيق غايات وأهداف معينة، توضع من قبل كبار خبراء صناعة السياسات العالمية، ويتم وضع الظروف وتهيئة المناخات المناسبة لها من أجل تنفيذها. الأزمة في سوريا اتخذت ذلك المنحى موازياً لتلك السياسات عبر اتّخاذ شكل أيديولوجيات تم تصديرُها إلى الشعب السوري تحت مفاهيم مستغلاً حاجة الشعب في التغيُّر والحرية والكرامة. عناوينها الأساسية مبادئ حقوق الإنسانية، ولكل الشعب الحق في تحديد مصيره. الأزمة في سوريا باتت أزمة على المستوى الإقليمي والدولي، أقطابها الدول العظمى الساعية إلى تنفيذ أجنداتها على حساب الشعب السوري الذي دفع ثمنها القتل والتشريد واللجوء والهجرة والتغير الديمغرافي وهدم ملامح المجتمع والدولة الحديثة، وسعياً إلى محو حضارة هذا الشعب الذي يعود إلى الآف السنين قبل ميلاد البشرية. الدول الإقليمية لم تكتفِ بالحرب بالوكالة في سوريا بل عمدت إلى التدخل المباشر. الإيرانيون ومنذ الأيام الأولى من الأزمة السورية دخلوا وبكلّ قوة وعلانية معلنين دعمهم المباشر للنظام السوري بجنرالاتها التي تقود أفواج من المليشيات العقائدية والمذهبية سعياً لتحقيق ما يسمى الهلال الشيعي، والذي أعلن عنه مراراً المسؤولين الإيرانيين، ولهذا سعوا إلى إحداث تغيير ديمغرافي طائفي في الكثير من المناطق في سوريا. لا يخفى أيضاً الدور الروسي المباشر في الأزمة السورية من خلال كافة أشكال وأنواع الدعم المباشر للنظام السوري في قمع المعارضة السورية، واستعمال شتى أنواع الأسلحة الروسية، وتحويل سوريا إلى ميدان من أجل تجربة أسلحتها الحديثة. الأمر الذي أدّى إلى إحداث تغير لموازين القوى على الأرض. التدخُّل التركي عبر الدخول في مفاوضات ومساومات مع  الروس والأمريكان على حساب الشعب السوري، واحتلال أراضي سوريا مثل عفرين وگـري سپـي وسري كانييه. الدخول الأمريكي المباشر الذي أدى إلى إنشاء ما يسمى شرق وغرب الفرات». يتابع موسى: «الأزمة السورية أصبحت أزمةً دوليةً بكل المقاييس من خلال دخول الدول الإقليمية والدولية في الصراع في سورية بشكل مباشر. لذلك قرار إيجاد الحلول في الأزمة السورية أصبحت قرارات دولية ليس للشعب السوري شأن ولا سلطة فيها. في ظل عجز الدول العظمة عن إيجاد حل للأزمة السورية ستبقى المعاناة السورية مستمرة. بما أنها أزمة مصالح وصراع النفوذ في سوريا. أحتلت الكثيرة من الأراضي السورية بموجب اتفاقيات نفوذ ومصالح كما تمّ التنازل عن عفرين وسري كانيه وگـري سپـي وأجزاء من إدلب بموجب اتفاقيات أمريكية روسية تركية. برأيِّ سوريا مقبلة على المزيد من صراع النفوذ وتنفيذ إتفاقيات دولية التي ستلبي تنفيذ مصالح كل تلك الدول ماعدا مصلحة الشعب السوري الذي يدفع ثمن تلك الإتفاقيات». يضيف موسى: «إن الإخفاق  الدولي على الصعيد الدبلوماسي في إيجاد حل للأزمة السورية، إنّما نتاج غياب الإرادة الدولية الصادقة في إيجاد حل لتلك الأزمة، وإنهاء المعاناة السورية وترحيل الأزمة عبر جولات عديدة من جنيف واستانا، كما أن فشل لجنة الصياغة الدستور السوري على الإتفاق على جدول أعمالها في ظل التعنت الروسي، أنما يعكس غياب الإرادة الدولية الصادقة في إيجاد حل لتلك الأزمة، وإنهاء معاناة السوريين في ظل الاستراتيجية الروسية في إعادة كل سورية إلى ما قبل 2011، والإستراتيجية الأمريكية في إدارة الأزمة وليس إيجاد حل لها». يردف موسى: «الوضع الكردي إلى مزيد من التعقيد في ظل عدم قدرة السياسيين الكرد على القراءة الصحية للأحداث الدولية والتفاعل الواقعي معها، جعل المصالح الدولية تقاطع المصالح الكردية، وغياب استراتيجيات واضحة لإدارة الوضع الكردي، وعدم القدرة على مواكبة التطورات المتسارعة في المنطقة. الأمر الذي سيعقد الوضع الكردي أكثر وسيأخذه في المصير المجهول في ظل الحديث والتسريبات عن قرب مصالحة مباشرة، وعلاقات تركية سورية سيمهد لها لقاء فيدان ومملوك في بغداد. بالتأكيد الوضع الكردي سيكون حاضراً وبقوة في تلك اللقاءات. والحديث عن قرب إتفاق تركي أمريكي لتنفيذ إتفاقيات المرحلة الثانية والثالثة من المنطقة الآمنة والإنسحاب الأمريكي من سوريا اسوة بأفغانستان». يختم موسى: «في ظل الحديث عن كل الإتفاقيات التي ستحدد مصير الكرد في كردستان سورية، لابد من القول بأن وحدة الصف الكردي هو الخيار الأنسب لمستقبل الشعب والقضية الكردية. لا بديل عن الإتفاق الكردي الكردي. السبب الأساسي في التعسر تلك المفاوضات عدم الجدية الأمريكية في الضغط كونها راعية للمنطقة. وكما أن أحزاب الوحدة الكردية   (PYNK) لم تحدد إلى الآن أولية تحالفاتها مع الأمريكان أم مع النظام السوري والإيراني، وسعيها لفتح قنوات مع الروس للإبقاء على هيمنتها على المنطقة. لا بد للمجلس الوطني الكردي الضغط بشكل أكثر في استغلال علاقاتها الدبلوماسية والإستفادة من الرعاية الرئيس مسعود بارزاني لدفع الطرف الآخر إلى المفاوضات بكل جدية». الخاتمة: تسارع السياسة والدبلوماسية الدولية في سوريا توحي عن وجود ترتيب للأوراق، يُظهر عن حصول توازن ومقايضة بين الدول المعنية بالشأن السوري، ويتراءى عن بوادر حلحلة الوضع العام السوري، من خلال تدوير النظام وشرعنة وجوده عالميا، وما على الكورد سوى الإستعداد لِما هو آت، إن كان خيراً أو وبالاً علينا، أيَّاً كان فهذا من صنع أيدينا.

اترك تعليقا

- Advertisement -