ثقافي أدبي مستقل

مدخل إلى عصر الرعب: تنويه من المحقق

0 24

- الإعلانات -

دلور ميقري

أضعُ بين يديّ القارئ هذا المخطوط، العائد إنجازه لمطلع القرن التاسع عشر، وأعدّه شخصياً تتمة طبيعية لذلك المخطوط، الذي قمتُ بتحقيقه ونشره في صيف عام 2010 تحت عنوان ” الأولى والآخرة “. هذا الأخير، كان قد انتهى بالعثور على كتابٍ يُعزى تأليفه لعالم دين، باسم الشيخ البرزنجي، وذلك بعدما تم إخفاؤه عمداً عن العيون من لدُن المحتفظ بنسخته الوحيدة والأصلية. البحث عن المخطوط الآخر، نهدتُ إليه على الأثر، مبتدئاً بمراجعة أرشيف المخطوطات في مكتبة مدينة أوبسالا السويدية. ففي هذه المكتبة، سبقَ لي أن توصلتُ لاقتناء نسخة مصورة عن المخطوط الأول، ثلاثة أعوام قبل حلول الألفية الثانية. لحُسن حظي، كما أعتقدتُ آنذاك، أنّ مصادرَ عدة أوردت اسمَ هذا المخطوط الجديد وصاحبه. لقد أُشيرَ في تلك المصادر إلى نسخةٍ وحيدة، موجودة في أرشيف مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق. أُسقِط في يدي، عندئذٍ: كان من المُحال عليّ، لأسباب عدّة، السفر إلى مسقط رأسي. على ذلك، صرفتُ النظرَ عن الاهتمام بالموضوع، مؤقتاً على الأقل.
لم أنطوِ على خيبتي لمدة طويلة، وما لبث موضوع المخطوطة أن عاد يستأثر اهتمامي. هذا جدَّ عندما قرأتُ على سبيل المصادفة عدداً من مجلة تاريخية، يشرفُ على تحريرها عالمٌ معروف من الخليج. وإنه هوَ مَن نشر في المجلة مخطوطَ الشيخ البرزنجي، مُذيّلاً بلمحة عن سيرة الرجل مع ذكر مؤلفاته الأخرى. لكن المخطوط المنشور، كان عبارة عن رسالة موجزة، انحصرت في ذكر تفاصيل عن حملة وزير عثماني، يُدعى شتجي باشا الدياربكرلي، لتأديب إحدى قبائل الحجاز، التي تجرأت على مهاجمة وسلب قافلة الحج السلطانية. المؤلف، ألحقَ بدَوره قصائدَ مجّدت الحملة. على الفور، شككتُ بهذه النسخة من المخطوط: إنّ ذلك الكتاب، المعنون ب ” الأولى والآخرة “، يفترض من خلال قراءات عدد من شخصياته لمخطوط الشيخ البرزنجي، أنه يحتوي على تفاصيل أخرى أوفى، تاريخية وإجتماعية. بل إنّ أحد أولئك الشخصيات وضعَ عنواناً للمخطوط، ” أريجُ الفَرْج “، يُحيل إلى موضوعات الباه والعطارة!

اقرأ ايضا : العبرة بالخواتيم .

أقرأ أيضاً
1 من 175

- Advertisement -

النهاية السعيدة لبحثي، لم تتأخّر كثيراً. ثلاثة أعوام عقبَ احتفال العالم بالألفية الجديدة، ورأيتني في زيارة لمصر. الطقسُ كان رائعاً في مدينة الاسكندرية، كون الوقت في آخر الربيع؛ وكأنما ليذكّرني ببلدي، وكنت وقتئذٍ محروماً من زيارته طوال خمسة عشر عاماً. في المعهد السويديّ بالمدينة، الذي داومتُ فيه ضمن حلقة بحث، رحتُ أقلّب في المكتبة بين المجلدات العربية، دونما أيّ هدف. رئيسُ البعثة، وكان مترجماً من العربية إلى السويدية، كان يفعل الأمر نفسه. ذكر لي عند ذلك اسمَ روائيّ مصريّ مخضرم، سبقَ أن ترجمَ له قصصاً إلى السويدية، وما لو قرأتُ له شيئاً. سُرَ لأنني ذكرتُ روايتين لذلك المؤلّف، باعتبارهما من أفضل ما كتب بالعربية. كانا سيلتقيان مساء اليوم التالي، في كافيتريا الفندق العريق، الذي حُجز من أجل إقامتنا لمدة أسبوع. وكما يُمكن أن يتوقّع القارئ، أنني عن طريق هذا الروائيّ أمكنني مواصلة بحثي عن المخطوط المفقود.
حظوتُ من الروائيّ برقم هاتف باحثٍ من أصل سوريّ ـ لنقل أن الأحرف الأولى لاسمه ولقبه، ع ع ك ـ عاش في القاهرة منذ فترة دراسته الجامعية أيام الوحدة بين مصر وسورية. كون طائرتنا في العودة ستنطلق من القاهرة، كان لديّ ثلاثة أيام أخرى للبقاء هناك. التقيتُ إذاً بالبحّاثة لدى عودتي إلى القاهرة، ثم اتجهنا رأساً بسيارته إلى بيته. كان شخصاً كريماً ومتواضعاً، أظنه بلغ إذاك مبتدأ الحلقة السابعة من عُمره. حدثني عن أبحاثه، وكانت قد قادته للعمل في مركز للمخطوطات بإمارة الشارقة لمدة عامين. بعيد الغداء، جلسنا في حجرة مكتبه، العامرة بمئات المجلدات وبينها العديد من المخطوطات. كان قد أخذ علماً من صديقه ذاك، الروائيّ، حول سعيي لاقتناء مخطوط معيّن. تبسّم لما ذكرت له اسمَ الكتاب المطلوب، وقال فيما ينهض على قدميه: ” أنتَ محظوظٌ، لأنني أمتلك نسخة مصوّرة عن المخطوط “. بمجرد أن وقعت عيني على النسخة، وكانت ضخمة، توقعتُ أنها النسخة الأصلية، المأمولة. بخلقه البسيط، طلب مني أن أمهله إلى الغد كي يصوّر لي نسخة جديدة بالأوفست. لكنني كنتُ لجوجاً ومضطرباً، كما لو خشيتُ ألا يأتي يوم الغد. هكذا حللنا الموضوعَ عند رجل بائع بأسفل البناء، يملك جهاز فوتوكوبي. لم ألتقِ بمواطني الباحث مرة أخراً أبداً، وكنتُ آمل في خلال السنوات المنصرمة أن أعاود زيارة موطن النيل. توفيَ الرجلُ قبل نحو عشرة أعوام، وكان أيضاً يأمل بالعودة إلى وطنه لو تغيّرت الظروفُ السياسية.
وبعد، فإنني أتجه الآنَ إلى القارئ واضعاً هذا الكتاب بين يديه. وينبغي التنبيه، إلى أنني لم أتدخل عند التنضيد سوى لتصحيح بعض العبارات، المكتوبة بشكل غير واضح أو مطموسة كلياً. ذلك أنّ الشيخ البرزنجي، مؤلف المخطوط، كان ولا شك ضليعاً في اللغة العربية وله مؤلفات أخرى في الرحلات وسيرة الأشراف من عائلته. من ناحية أخرى، سمحتُ لنفسي بتغيير عنوان المخطوط علاوة على تقسيمه إلى فصول. ولو أراد أحدهم رأيي في أسلوب المؤلف، لقلتُ أنه في هذا الكتاب يجمعُ بين المدوّن للأحداث، الشاهد على الكثير منها، وبين الأديب الساعي إلى تقديم عملٍ شبيه بالرواية كما نعرفها في زمننا المعاصر.

* الكتاب الثاني من رواية ” الأولى والآخرة “، المنشورة في هذا الموقع عام 2010

 

اترك تعليقا

- Advertisement -